Tuesday, December 25, 2012

حكايات من بيروت- الجزء السادس

شعر بعبق في صدره. شعر بعطش للحرية. دخل المطبخ كأفعى تسعى في رمال صحراء ما بعد المغيب. لا يريد أن يوقض أولاده أو زوجته. فتح البراد، أغوته قنينة بيرة ألماسة أخذت تتعرق. تكابر على عطشه، فتح القنينة وعض على شفتيه. داعبها برقة وهو يغلي. خرج إلى الشرفة، أشعل سيجارة. لا يريد أن ينام. لديه عمل ينجزه. يكذب عمر! لم يكن عليه بذل مجهود إضافي. كان يود مساعدة صديق تعرف عليه مؤخرا يدعى مايكل. هكذا تتداعى أفكاره على مسمعه: "صديق تعرف عليه مؤخرا". يفكر في معنى الوقت، في المسافة بين الأشخاص، في علاقاته السابقة! يخرج الفكرة من رأسه، طعم البيرة ألذ.
لم يستطع النوم. كانت تفصله مسافة ساعات عن عشقه الأزلي، ذاته، تلك التي تخرج بين حين وحين، تصرح عن نفسها. تمزق إرادته  الكاذبة كقطعة ثوب بالية. يراها عارية، يدعي مقاومة وعدم اكتراث، يعشقها. اتصل بالتاكسي. لم يحتمل الانتظار!
حمل حقيبته وسقط من الطابق الرابع. فصلته لحظات عن نقطة الصفر، نقطة الانطلاق. تذكر أنه مسافر على رحلة للشركة المصرية للطيران فأخذته فكرة شراء زجاجة نبيذ. ذات يوم، يكلم نفسه بصوت مرتفع، سوف تبدأ رواية يا عمر، وربما ، من يعرف، قد تتمكن من إنهائها. لن يكون بمقدورك التفرد بمجرياتها، ناهيك عن خاتمتها بطبيعة الحال. يتمنى لو يتحلى ببعض من جرأة. يتمنى لو يطرح نفسه فوق عاريا كما أفكاره. يحس بمرارة. ينقذه صوت متخاذل، يعرفه جيدا، لطالما حظر في في لحظات مشابهة. أبله أنت يا عمر! يرتعد، يتراءى له أن الصوت خارج من جمجمته، يمزقها، يحاول بقبضتيه اعتصار رأسه. لم يعد يحتمل. أبله أنت يا عمر، يسمعه بوضوح من جديد. ماذا ستكتب؟ عن أين وعن من وعن متى؟  أبله أنت حالم ليس إلا. طفل معذب ليس إلا. بائس بلا قرار. هل تعرف من أنت؟ أنا انتشلتك من المجهول. أنا المسؤول، هل تتحلى بالجرأة لتكتب عني؟ هل تتجرأ حتى بتلفض إسمي أم أنك سوف تزرعه في ثنايا أسطر جانبية. أنا انتشلتك؟ تذكر، أنا ألمك، أحاسيسك، مسبب وجودك في هذه اللحظة بالذات كما كل ما سبقها منذ أربعة عشر عام بالتحديد. 19 كانون الأول 1998، هل تتذكر أم حسبت نفسك في عداد الأموات؟! أنا سبب لعنتك التي تقيك ألمك، تقيك فراقا لا تطيقه، أنا مسببها. 19 كانون الأول 2003، هل تتذكر؟! حسنا، دعنا نتأمل فرضية أنك لم تعد تحتمل. دعنا مني، وعلى رغم  يقيني من أنك يوما لن تتجرأ علي، متى ستبدأ؟ من أين؟ أعرف أن ظرفك يعني تمردا موقتا، أعرف أنك ذاهب إلى المغرب وأعرف أن السياحة لم ترد يوما في قاموسك؟ لماذا ترتجف يا عمر؟ ظننتني غافل عنك. لماذا ترتجف؟ هل تخشى أن أجيب على أسئلة طرحتها عليك؟حسنا، لن افعل، وإن إلى حين! هل لي أن أذكرك برحلاتك السابقة على هذه الشركة الملعونة. هل لي أن أذكرك برحلاتك إلى القاهرة، إلى الإسكندرية، إلى تونس وليبيا. هل لي أن أذكرك بتجوالك في أوروبا. من أين تبدأ يا عمر؟ حتى إسمك لم يعد يقنعني. أحسبني قابع في جسد آخر يترنح بين الموت والحياة؟ بماذا تحلم، بماذا تفكر؟ حتى أنا بت أتمنى لو تتحلى ببعض جرأة!

يتبع بعد حين بمشيئته تعالى...


No comments: